ابن قيم الجوزية

616

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

فالشر : ما قام به من تلك العقوبة . وأما ما نسب إلى الرب منها من المشيئة والإرادة والفعل فهو عين الخير والحكمة . فلا يغلظ حجابك عن فهم هذا النبأ العظيم . والسر الذي يطلعك على مسألة القدر ويفتح لك الطريق إلى اللّه ، ومعرفة حكمته ورحمته ، وإحسانه إلى خلقه ، وأنه سبحانه : كما أنه البر الرحيم الودود المحسن ، فهو الحكيم الملك العدل ، فلا تناقض حكمته رحمته . بل يضع رحمته وبره وإحسانه موضعه ، ويضع عقوبته وعدله وانتقامه وبأسه موضعه ، وكلاهما مقتضى عزته وحكمته وهو العزيز الحكيم ، فلا يليق بحكمته أن يضع رضاه ورحمته موضع العقوبة والغضب ، ولا أن يضع غضبه وعقوبته موضع رضاه ورحمته . ولا يلتفت إلى قول من غلظ حجابه عن اللّه : إن الأمرين بالنسبة إليه على حد سواء ، ولا فرق أصلا ، وإنما هو محض المشيئة بلا سبب ولا حكمة . وتأمل القرآن من أوله إلى آخره كيف تجده كفيلا بالرد على هذه المقالة ، وإنكارها أشد الإنكار ، وتنزيه الرب نفسه عنها ، كقوله تعالى : 68 : 35 ، 36 أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ؟ وقوله : 45 : 21 أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ وقوله : 38 : 28 أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ ، أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ فأنكر سبحانه على من ظن به هذا الظن السيء ، ونزه نفسه عنه . فدل على أنه مستقر في الفطر والعقول السليمة : أن هذا لا يكون ولا يليق بحكمته وعزته وإلهيته ؛ لا إله إلا هو ، تعالى عما يقول الجاهلون علوا كبيرا . وقد فطر اللّه عقول عباده على استقباح وضع العقوبة والانتقام في موضع